.....وكانت آخر المصادفات جدُّ غريبة وقد تركت فى نفسى وفؤادى أثرا عميقا، وهي من جملة التجارب التى أعتقد أن من واجب المسلم أن يرويها، لما فيها من عبرةٍ تزيد المؤمنين إٍيمانا! فقد جمعنى القدرُ بقسيسٍٍ من النصارى فى الثانية والستين من عمره, إحتاج لنصيحةٍ طبية عابرة, فتحول لقاؤنا لصداقة تطورت لتبادل العلوم فى أمر الدين والدنيا, وسرعان ما صارحنى بأنه موحد علي ملة إبراهيم عليه السلام, وأنه ما قام بتدريس عقيدة الثالوث لتلاميذه علي مدى واحدٍ وأربعين عاما، هى عمر مهنته في الكنائس المختلفة التي تنقَّل بينها ولم يستطع التعايش مع أى منها, فاختار أخيرا المعاش الإختيارى ليواصل بحثه عن الحقيقة التى ما وجدها فى كتب قومه.
وفى مسار نقاشنا أهديته كتابى باللغة الإنجليزية فى نبوءات محمدٍ في الكتب السماوية القديمة "أميرة مصر وذلك النبي الغامض", وأهدى هو اليَّ نسخة من الكتاب المقدس تجمع العربية والانجليزية معاً, وطلب منى طلبا غريبا فى حينه، وهو أن أبدى له رأيى فى بعض المواقع التي يظن أن الترجمات لعبت دورا فى اختلاف الآراء حولها.
وقال لى حينها أنه يؤمن أن الله قد اءتمن بنى اسماعيل وبنى إسرائيل على دينه, وقد ثبت له بالدليل القاطع عبر السنين أن علماء بنى اسرائيل قد خانوا الأمانة وقتلوا أنبياءهم وحرفوا كتبهم, وكان يسأل الله دوما أن يجمعه بعربىٍ يحكى له وجهة النظر الأخرى قبل موته عسى أن يكون الحق معهم, وظن أن الله قد إستجاب لدعائه أخيرا يوم التقانى, وما كان يدرى أن لقاءه مع الموت نفسه قد دنا!
ودارت بيننا حوارات حول إبراهيم وإسماعيل وإسحق والبيت العتيق, وكان الشيخ يقبل رأى الإسلام فى تواضع وبساطة لم أرها في حياتى، وهو عالم من علماء النصارى, وكان يعتبر مرجعا عند قومه.
ولم يمض شهران على تعارفنا الذى ظننا أن يقود إلي صداقة تمتد سنين عددا, ولكن كان قدر الله أسرع, فقد أصيب فجأة بسرطان فى البلعوم وقدَّر الأطباء ما تبقى من عمره بأربعة أشهر فقط! وكان يوما حاسما فى حياته وحياتى يوم اجتمعنا لتبادل الآراء حول كتابى، وحول الكتاب المقدس الذي أهداه إليّ, وكان مما عرضت عليه من التحريفات التي وقفت عليها هو تغيير إسم "وادى بكة" الذى ورد هكذا فى زبور داؤود باللغة الانجليزية, إلى "وادى البكاء" فى الترجمة العربية، وكان الشيخ قد قرأ معظم كتابى عن نبوءات محمدٍ صلى الله عليه وسلم فى التوراة والزبور والإنجيل, فسألته عن رأيه في محمد؛ فصمت حينا من الوقت ظننته دهرا، خاصة وأنى أعلم أن السرطان قد انتشر فى جسده الضعيف، وما تبقى له من أيامٍ في الدنيا جدُّ قليل, ثم قال لى بالحرف :
{أصدقك القول يا أخى في العقيدة أننى قد ظللت أبحث طوال عمرى عن النبى الخاتم، وهأنذا أصل إليه وأنا على فراش الموت}!
فقرأت عليه آيات سورة المائدة التى تعد القسسيسين والرهبان الذين يقبلون محمدا نبياً بجناتٍ تجرى من تحتها الانهار، والذى لا اله إلَّا هو فاضت عيناه من الدمع مما عرف من الحق، وقال لى: "ومالى لا اؤمن بالله وما جاءنى من الحق، وأطمع أن يدخلنى ربى مع القوم الصالحين"!
ولم تمض أسابيع قليلة حتى فاضت روحه إلي بارئها، ثم فاضت عيناى من الدمع وانا اشهد يوم تشييعه الذى فُتحت فيه وصيته، وفاجأ قومه بأنه مات على الدين الحق الذى اكتشفه فى آخر أيام حياته، وأشار إلى شخصى الضعيف فى وصيته, من غير أن يجرح شعور قومه، ففهم الجميع أن القسيس "تَرِى" قد مات مسلما على دين محمد صلى الله عليه وسلم. وطلب منى أهله بكل تواضع أن أصلى عليه صلاة الجنازة، فصليت عليه وحيدا يوم {25-8-2005} فى قريته النائية فى أقصى غرب بريطانيا على مشهدٍ من أكثر من ثلاثمائة من قومه.
مضى " ترى" إلى ربه مسلما عليه رحمة الله وعلينا، فلا صام ولا صلى ولكنه صدَّق وما تولَّى، وترك لى كتابه الذى أهداه إلىَّ وعليه دعاء ظل يلازمنى كلما ذكرته: " إلي أخى وصديقى عماد, أسأل رب إبراهيم أن يبارك فيك و يعينك في عملك، و يزيدك علما، ويلهمك كتابة تنفع الناس اجمعين".
بعد شهرين من رحيله الذى تركنى فى دوامة من الصراعات الفكرية والعاطفية والحزن والشعور بحجم المسؤولية فى الدعوة، والشعور المرير بضآلة نفسى وعظم ذنوبى مقارنة بفضل الله على، ذهبت للسودان صلة للارحام, ففوجئت بأن أخى علاء الدين، وهو مهندس ميكانيكى وإستشارى فى التكييف المركزى، ولا علاقة أكاديمية له بالفلسفة ولا مقارنة الأديان, قد نشر كتابا يناقش فيه قصة الحج كمشهدٍ من مشاهد التطور ويدعو المسلمين للتدبر فيه! وكان محتوى الكتاب الذى طرحه للنقاش الفكرى ونشرهَ في السودان، مفاجأة لى، إذ أنه أكمل لى بحثى فى قصة الخلق وتطور الإنسان التى تراكمت عندى عبر السنين, فأكتملت في ذهنى القصة التى كنت قد بدأتها، وهي تصف كيف بدأ اللهُ خلْقَ كل الكون من الماءِ إلي أن وصلت إلي مرحلة أقرب إلي خلق الإنسان من طين, وكنت أطوف بأفكارى حول إبراهيم والبيت العتيق مع أخى "ترى" عليه رحمة الله وعلينا قبل أن يمضى إلي جنته بإذن الله, فكان كتاب علاء الدين فيه تكملة لأفكارى من غير إتفاق سابق، وكان مولد هذا الكتاب الذى أظن أنه إستجابة لدعاء الراحل "ترى" أن يلهمنى ربُّ إبراهيم علما ينفع الناس.
*************************
{... وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ* وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} المائـدة 82-85